ابن ميثم البحراني
35
شرح نهج البلاغة
وقوله : اللَّهمّ أعل على بناء البانين بنائه . دعاء ليشيّد ما بناه من قواعد الدين على سائر بناء البانين للشرائع من الرسل قبله ، وأراد ما بناه لنفسه من مراتب الكمال ، ولفظ البناء مستعار . ثمّ دعا أن يكرم لديه ما هيّأه له من الثواب الجزيل وأن يشرّف مقامه في حضرة قدسه وأن يؤتيه ما يتوسّل به إليه ويقرّ به منه ، وهو أن يكمّل استعداده لما هو أتمّ القوّة على الوصول إليه ، وأن يعطيه الرفعة ويشرّفه بالفضيلة التامّة ، وأن يحشره في زمرته على أحوال : غير خازين : أي بقبائح الذنوب ، ولا نادمين على التفريط في جنب اللَّه والتقصير في العمل بطاعته ، ولا ناكبين منحرفين عن سبيله إلى أحد طرفي التفريط والإفراط ، ولا ناكثين لعهوده ومواثيقه الَّتي واثق بها خلقه أن يعبدوه ويخلصوا له الدين ، ولا ضالَّين عن سواء السبيل العدل ، ولا مفتونين بشبهات الأباطيل . وباللَّه التوفيق . ومنها في خطاب أصحابه : وقَدْ بَلَغْتُمْ مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَكُمْ - مَنْزِلَةً تُكْرَمُ بِهَا إِمَاؤُكُمْ - وتُوصَلُ بِهَا جِيرَانُكُمْ - ويُعَظِّمُكُمْ مَنْ لَا فَضْلَ لَكُمْ عَلَيْهِ - ولَا يَدَ لَكُمْ عِنْدَهُ - ويَهَابُكُمْ مَنْ لَا يَخَافُ لَكُمْ سَطْوَةً - ولَا لَكُمْ عَلَيْهِ إِمْرَةٌ - وقَدْ تَرَوْنَ عُهُودَ اللَّهِ مَنْقُوضَةً فَلَا تَغْضَبُونَ - وأَنْتُمْ لِنَقْضِ ذِمَمِ آبَائِكُمْ تَأْنَفُونَ - وكَانَتْ أُمُورُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ تَرِدُ - وعَنْكُمْ تَصْدُرُ وإِلَيْكُمْ تَرْجِعُ - فَمَكَّنْتُمُ الظَّلَمَةَ مِنْ مَنْزِلَتِكُمْ - وأَلْقَيْتُمْ إِلَيْهِمْ أَزِمَّتَكُمْ - وأَسْلَمْتُمْ أُمُورَ اللَّهِ فِي أَيْدِيهِمْ - يَعْمَلُونَ بِالشُّبُهَاتِ - ويَسِيرُونَ فِي الشَّهَوَاتِ - وأيْمُ اللَّهِ لَوْ فَرَّقُوكُمْ تَحْتَ كُلِّ كَوْكَبٍ - لَجَمَعَكُمُ اللَّهُ لِشَرِّ يَوْمٍ لَهُمْ أقول : صدّر هذا الفصل بتذكيرهم المنزلة الَّتي أكرمهم اللَّه بها من الإسلام